كتاب : أدب الحياة

عرفته مسرحياً عبقرياً ، لا يكاد يدانيه أحد في هذا المضمار من كتاب العربية . عندي ، هو شكسبير العرب ، لما له من فضل في تأسيس هذا الفرع من الأدب الذي لم يعرفه الأدب العربي إلا حديثاً
ولكنني فوجئت حينما قرأت نثره ! فقد أخذ الرجل بلبي لما في كتابته النثرية من روعة ورونق بديع ، فالرجل لم يبدع ويتفنن في الكتابات المسرحية وحسب ، بل إن له باع ونصيب كبير في النثر كذلك
باختصارٍ شديد ، هو رجل من زمن أولئك العمالقة الكبار :
العقاد ، طه حسين ، المازني ، الرافعي ، المنفلوطي ، الطنطاوي ، أحمد أمين
رحمهم الله أجمعين
__________________________________________________________
أتحدث معكم في هذه التدوينة عن تحفة الأديب توفيق الحكيم ((أدب الحياة))
كتب الحكيم رحمه الله هذا الكتاب في عام 1965 ميلادي ، رغم ذلك ، أنا أضمن لك أنك لن تشعر أبداً بهذا التاريخ ، بل صدقني سينتابك شعورٌ بأن هذا الكاتب لازال حيٌ يتابع ما يجري في الساحة العالمية اليوم من أحداث !
وأكبر دليل على عظمة العمل الأدبي ، هو تركه لذلك الأثر في النفوس ، أثر التجدد في كل زمانٍ ومكان
يتكلم الحكيم في هذا الكتاب في موضوعات أدبية وفكرية شتى
________________________________________________________
سأعرض لك بعضاً من تلك الدرر التي سحرتني في كتاب الحكيم رحمه الله ((اقرأها وأنت هادئ البال تماماً وياحبذا لو أتيت بكأس من الشاي ، لأنك ستحلق عالياً مع هذه الكلمات العلوية))
___________________________________________________
نبدأ
يقول : السحر في الفن .. هو الذي يخيل للناس أن الأمر في متناول أيديهم ، وهو في الحقيقة أبعد لهم من النجوم ، إن الفن العظيم هو هذا : هو السهل للناس ، الصعب للفنان
ويقول : أنا لست من دعاة الحرب ولا من المحبين للعنف ، وإن السلام هو رجائي ، والصفاء هو أمنيتي ، ولكن إذا حال أحد بيننا وبين الحضارة ، فلا خير فينا إذا تخاذلنا ، ولا قيمة لحياتنا إذا فقدنا الأمل في حياة أفضل
ويقول في وصف البحر كلاما شعريا رائع :
هو شبيه بالرجل العظيم ، يفهمه السذج ، وتلاعبه الصبية ، وتعابثه الأطفال ، وله قدر وقيمة في نظر الابطال ، وهو لجمهور الناس منبع نفع ، وللدارسين مصدر سر ، ولأهل البصيرة نفس رحبة تضيء فيها شمس ، وتنطفئ شمس … ولأهل الهزل موضوع للحديث الفذ ، ووحي للتفكير السهل ، ولأهل الجد أعماقٌ زاخرةٌ بالكنوز ، تحتاج إلى الغوص والكد ، وللعميان والجهلاء صوت يدوي في آذانهم ، وفراغٌ في عرف أذهانهم .. ذلك هو البحر ، في الكون وفي البشر
ويقول : ليس العلم في ذاته هو الذي يهمني ، ولكن هي ((العقلية العلمية)) في مصادمتها ومواجهتها للأشياء . لاشيء يلذ لي مثل مجالسة عالم متسع الأفق ، وهذا النعت لا ألقيه جزافاً ، فإن من كبار رجال العلم من هم ضيقوا الأفق ، أي سجناء معادلاتهم وأرقامهم ، يصلون بها مع ذلك إلى نتائج باهرة في صميم العلم ، ولكنهم قلما ينظرون إلى العالم الخارجي ، وأعمالهم قلما تعني غير فئة صغيرة من زملائهم في العمال ، إنما الطراز الذي أقصد ، هو طراز رجل العلم المطبوع الذي يخرج بعد ذلك لينظر بعين العلم ، وعقلية العلم إلى الكون بمعناه الواسع … هي فلسفة العلم ما أريد ، لا العلم نفسه
ويقول :
لقد كانت خير رسالة للقلم الارتفاع بالانسان على براق الفكر إلى حيث ينسى في لحظة أو لحظات أنه من تراب الأرض خلق ولكن الناس طلبوا إلى القلم مطالب ، وسخروه في مآرب ، وجذبوه إلى طينهم يتكئون عليه كلما خافوا الانزلاق . وكان لهم ما أرادوا
ويقول:
البرج العاجي عندي هو الصفاء الفكري والنقاء الخلقي وهو الصخرة التي ينبغي أن يعيش فوقها الكاتب مرتفعاً عن بحر الدنايا الذي يغمر اهل عصره . لا خير عندي للمفكر الذي لايعطي من شخصه مثلاً لكل شيء نبيل رفيع جميل
ويقول :
إن مثلاً واحداً أنفع للناس من عشر مجلدات .. لأن الأحياء لا تصدق إلا المثل الحي . لهذا كان النبي الواحد بمثله الخلقي الحي وجهاده واستشهاده في سبيل الخير أهدى للبشرية من آلاف الكتاب الذين ملأوا بالفضائل والحكم بطون المجلدات
ويقول :
خالقوا الشعوب وبناة الحضارات ، كل عبقريتهم أنهم لا يفكرون كلاماً وأن الأفكار والتأملات عندهم هم أيضاً لا تكتب كما هي ولا تقال ، إنما ترى قائمة متحركة في صورة أمة ناهضة ، أو على شكل ثورةٍ متفجرة
ويقول :
تجديد الحجرات والنهضات يحتاج إلى فتح النوافذ المغلقة في كل الاتجاهات
ويقول : قوة الروح هي في طاقتها هضم الألم ، كما تهضم المعدة القوية بعض السم في الدسم ، إن الرجل القوي ليس ذلك الصحيح الذي يعيش بمنجى عن مرمى السهام ، بل هو ذلك الجريح الذي يتلقى بجسده النصال من كل مكان ، ويبقى جامداً صامدا . كان الأنبياء والعظماء من هذا الطراز !
ويقول :
عند الأديب أو الفنان ما يمكن أن أطلق عليه : أفق الإنسانية . أي أن نظراته للأشياء لا يحدها الأفق الشخصي ، بل يحدها الأفق الإنساني ، فهو يربط تجاريبه الخاصة بتجارب الإنسانية كافة . وهو لذلك يحول معرفته وخبرته غلى سبائك قد تنفع الإنسانية فيما بعد .
ويقول :
إن دماغ المهندس الذي يصنع الطائرة والغواصة والدبابة هو دماغ قد كونته الفلسفات والآداب والفنون ، وزودته بملكتا التفكير والتصور والخيال .. أما الذين يظنون أن هذه المخترعات تظهر كالنبات البري في الأمم دون ان تسبقها نهضات فكرية في مختلف الفنون ، فأولئك هم الواهمون !
ويقول :
إن أزمة الإنسانية الآن وفي كل زمان هي أنها تتقدم في وسائل قدرتها ، أسرع مما تتقدم في وسائل حكمتها
ويقول :
مصير العلم والمعرفة الإنسانية معلق على انتشار السلام في الأرض
ويقول :
إن قوة الإنسان هي في وعيه لضعفه ، وكفاحه في سبيل التغلب على هذا الضعف . تلك هي قوته الدافعة ، وسر حركته الدائبة
ويقول :
القرار الذ يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه الأيام ، غذا كان صادراص حقاً عن إرادة وإيمان
ويقول :
المقصود من الهدف هو السير نحوه لا بلوغه لذلك ما أحسست يوماً بأني بمأمن إلا عندما أسير وأعمل ، لأن القدر لا يسخر ممن يسيرون ويعملون .
ويقول :
لا أزن الحياة بميزان المنافع العاجلة ، فالحياة عندي في جوهرها هي تحقيق الذات ، أي استخراج خير ما في أعماق الإنسان من ملكات . وفي الإنسان أحياناً ملكات كاذبة يجب في اعتقادي أن يضحي بها في سبيل إظهار الملكات الأصلية .. حتى لو كلفه ذلك خسارة مادية او معنوية . فكرة واحدة هي التي تعذبني دائماً .. هي احتمال الخطأ في تقدير الملكة ، واختيار الهدف . ما أدراني أن ماحسبته ملكة أصيلة لم يكن سوى ملكة كاذبة ؟ وأن تلك الحياة التي ركزتها كلها في استخراج قطعة من حجر نفيس لم تكن سوى حياة ضائعة هباء ؟ عزائي الوحيد هو أني أعتقد أن مجرد الجهد المبذول في الحفر على أعماق النفس لاستخراج خيرها هو عمل شريف في ذاته ، حتى ولو كشف في النهاية عن حصى ورمال مخيبة للآمال !
كفاني حرقاً للآلئ الكتاب!
رحمك الله ايها الحكيم ، وأسكنك فردوسه
دمتم بود
